أحمد أبو اليزيد يروي: من ذكريات مستمع

في كتابه المميز عن الغناء المصري، يستعرض الكاتب كمال النجمي تجربة مثيرة لأحد المستمعين، حيث يصف تلك اللحظة الأولى التي قام فيها بإعادة فتح جهاز الرادیو بعد ستة أشهر من الانقطاع. لقد عانت أذنه من حالة غريبة لا علاج لها سوى الابتعاد عن أصوات عدد من المطربين والمطربات. حتى أن الطبيب حذره، قائلاً: “إذا لم تأخذ استراحة من الاستماع إليهم لمدة ستة أشهر على الأقل، فلن أكون مسؤولًا عن أذنيك. تحتاج أذناك إلى دواء واحد فقط هو ‘الراحة’، ولا يوجد دواء آخر”.

سأله المستمع: “هل بعد هذه الفترة يمكنني العودة للاستماع إليهم؟” فرد الطبيب: “نعم، ولكن يجب أن تتبع ‘نظامًا غذائيًا’ خاصاً عند سماع الموسيقى، يتطلب بعض القسوة. يمكنك الاستماع لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس دقائق فقط، ولا تزيد على ذلك دقيقة واحدة إلا بعد استشارتي. لقد كان إسرافك في السماع مؤذيًا لأذنيك، وكانت العاقبة كما ترى. لذا، كن حذرًا واعتنِ بآذانك”.

فتح المستمع الراديو بشيء من الحذر، وهو يتساءل عن المحطة التي يمكن أن تكون قد ظهرت بعد تلك الفترة الطويلة. سرعان ما تعالت أصوات تنم عن غرورٍ واضح، يشوبها انتشار غير محتمل من نبرة المغني، شعرت بالحيرة: من هو هذا المطرب؟ وأين يُغني؟ ربما برز خلال الأشهر الستة الماضية التي تجنب فيها سماع الإذاعات!

أغلق الجهاز وبدأت أفكر في ذلك الصوت دون جدوى، فقررت أن أستمع لصوت آخر. عدت إلى الراديو وفوجئت بصوت آخر يأتي من محطة مجهولة. حاولت أن أصرفه عني كما يُصرف البتول الجن بأذكار خاصة. وعندما استمعت لبعض الأغاني، اكتشفت أن هنالك مطربًا يهوديًا يغني بالعربية، مقلدًا بذلك أفضل المطربين المصريين. الأمر الذي دفعني للقول إن تل أبيب لا تكتفي باغتصاب أراضينا، بل تسعى أيضًا للاستحواذ على فن الغناء العربي وتدعيه لنفسها، لتجبرنا في النهاية على الاستماع لموسيقى وتأويلات لا تُعبر عن ثقافتنا.

حتى الأنماط التقليدية والأناشيد العربية والأندلسية، يحاول البعض أن يكونوا أصحابها، ليقتصر السماع عليها عبر أصواتهم وفلسفتهم الخاصة، ويستخدمون الفن العربي لأغراض سياسية واضحة. هذا يبرز أهمية فن الغناء والشعر، كأعرق الفنون العربية التي لا يمكن لأحد أن ينكر سحرها وجماليّتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى